فصل: تفسير الآية رقم (11)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ***


الجزء الثاني

سورة الإسراء

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 2‏]‏

‏{‏سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ‏(‏1‏)‏ وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ‏(‏2‏)‏‏}‏

‏{‏سبحان الذي‏}‏ براءةٌ له من السُّوء ‏{‏أسرى بعبده‏}‏ سيَّر محمَّداً عليه السَّلام ‏{‏من المسجد الحرام‏}‏ يعني‏:‏ مكَّة، ومكَّةُ كلُّها مسجد ‏{‏إلى المسجد الأقصى‏}‏ وهو بيت المقدس، وقيل له الأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام ‏{‏الذي باركنا حوله‏}‏ بالثِّمار والأنهار ‏{‏لنريه من آياتنا‏}‏ وهو ما أُري في تلك اللَّيلة من الآيات التي تدلُّ على قدرة الله سبحانه‏.‏ ثمَّ ذكر أنَّه سبحانه أكرم موسى عليه السَّلام أيضاً قبله بالكتاب، فقال‏:‏

‏{‏وآتينا موسى الكتاب‏}‏ التَّوراة ‏{‏وجعلناه هدىً لبني إسرائيل‏}‏ دللناهم به على الهدى ‏{‏ألا تتخذوا‏}‏ فقلنا‏:‏ لا تتخذوا، و‏"‏ أن ‏"‏ زائدة، والمعنى‏:‏ لا تتوكَّلوا على غيري ولا تتَّخذوا من دوني ربَّاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏3- 9‏]‏

‏{‏ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ‏(‏3‏)‏ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ‏(‏4‏)‏ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ‏(‏5‏)‏ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ‏(‏6‏)‏ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ‏(‏7‏)‏ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ‏(‏8‏)‏ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ‏(‏9‏)‏‏}‏

‏{‏ذرية‏}‏ يا ذريَّةَ ‏{‏مَنْ حملنا مع نوح‏}‏ يعني‏:‏ بني إسرائيل، وكانوا ذريَّةَ مَنْ كان في سفينة نوح عليه السَّلام، وفي هذا تذكيرٌ بالنِّعمة إذْ أنجى آباءهم من الغرق، ثمَّ أثنى على نوحٍ، فقال‏:‏ ‏{‏إنَّه كان عبداً شكوراً‏}‏ كان إذا أكل حمد الله، وإذا لبس ثوباً حمد الله‏.‏

‏{‏وقضينا إلى بني إسرائيل‏}‏ أوحينا إليهم وأعلمناهم في كتابهم ‏{‏لتفسدنَّ في الأرض مرتين‏}‏ بالمعاصي وخلاف أحكام التَّوراة ‏{‏ولتعلن علواً كبيراً‏}‏ لتتعظمنَّ ولتبغُنَّ‏.‏

‏{‏فإذا جاء وعد أولاهما‏}‏ يعني‏:‏ أوَّل مرَّة في الفساد ‏{‏بعثنا عليكم‏}‏ أرسلنا عليكم وسلَّطنا ‏{‏عباداً لنا‏}‏ يعني‏:‏ جالوت وقومه ‏{‏أولي بأسٍ شديد‏}‏ ذوي قوَّةٍ شديدةٍ ‏{‏فجاسوا خلال الديار‏}‏ تردَّدوا وطافوا وسط منازلهم ليطلبوا مَنْ يقتلونهم ‏{‏وكان وعداً مفعولاً‏}‏ قضاءً قضاه الله تعالى عليهم‏.‏

‏{‏ثمَّ رددنا لكم الكرَّة عليهم‏}‏ نصرناكم، ورددنا الدَّولة لكم عليهم بقتل جالوت ‏{‏وأمددناكم بأموالٍ وبنين‏}‏ حتى عاد أمركم كما كان ‏{‏وجعلناكم أكثر نفيراً‏}‏ أكثر عدداً من عدوِّكم‏.‏

‏{‏إن أحسنتم‏}‏ أَيْ‏:‏ وقلنا‏:‏ إن أحسنتم ‏{‏أحسنتم لأنفسكم‏}‏ إن أطعتم الله فيما بقي عفا عنكم المساوئ ‏{‏وإنْ أسأتم‏}‏ بالفساد وعصيان الأنبياء وقتلهم ‏{‏فلها‏}‏ فعليها يقع الوبال‏.‏ ‏{‏فإذا جاء وعد الآخرة‏}‏ المرَّة الأخيرة من إفسادكم وجواب ‏"‏ إذا ‏"‏ محذوف على تقدير‏:‏ بعثناهم ‏{‏لِيَسُوْءُوْا وجوهكم‏}‏ وهو أنَّه بعث عليهم بختنصر، فسبى وقتل وخرب، ومعنى لِيَسُوْءُوْا وجوهكم‏:‏ ليخزوكم خزياً يظهر أثره في وجوهكم، كسبي ذراريكم وإخراب مساجدكم ‏{‏وليتبروا ما علوا‏}‏ وليدمِّروا ويُخرِّبوا ما غلبوا عليه‏.‏

‏{‏عسى ربكم‏}‏ وهذا أيضاً ممَّا أُخبروا به في كتابهم، والمعنى‏:‏ لعلَّ ربكم ‏{‏أن يرحمكم‏}‏ ويعفو عنكم بعد انتقامه منكم يا بني إسرائيل‏.‏ ‏{‏وإن عدتم‏}‏ بالمعصية ‏{‏عدنا‏}‏ بالعقوبة، هذا في الدُّنيا، وأمَّا في الآخرة فقد ‏{‏جعلنا جهنم للكافرين حصيراً‏}‏ أَيْ‏:‏ سجناً ومحبساً‏.‏

‏{‏إنَّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم‏}‏ يرشد إلى الحالة التي هي أعدل وأصوب، هي توحيد الله تعالى والإِيمان برسله ‏{‏ويبشر المؤمنين‏}‏ بأنَّ ‏{‏لهم أجراً كبيراً‏}‏ وأنَّ أعداءهم معذَّبون في الآخرة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏11‏]‏

‏{‏وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا ‏(‏11‏)‏‏}‏

‏{‏ويدعو الإِنسان‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ ربَّما يدعو الإنسان على نفسه عند الغضب والضَّجر، وعلى ولده وأهله بما لا يحبُّ أن يستجاب له، كما يدعو لنفسه بالخير ‏{‏وكان الإِنسان عجولاً‏}‏ يعجل في الدُّعاء بالشَّرِّ كعجلته في الدُّعاء بالخير‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 16‏]‏

‏{‏وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا ‏(‏12‏)‏ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا ‏(‏13‏)‏ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ‏(‏14‏)‏ مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ‏(‏15‏)‏ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ‏(‏16‏)‏‏}‏

‏{‏وجعلنا الليل والنهار آيتين‏}‏ علامتين تدلاَّن على قدرة خالقهما ‏{‏فمحونا‏}‏ طمسنا ‏{‏آية الليل‏}‏ نورها بما جعلنا فيها من السَّواد ‏{‏وجعلنا آية النهار مبصرة‏}‏ مُضيئةً يُبصر فيها ‏{‏لتبتغوا فضلاً من ربكم‏}‏ لتبصروا كيف تتصرَّفون في أعمالكم ‏{‏ولتعلموا عدد السنين والحساب‏}‏ بمحو آية اللَّيل، ولولا ذلك ما كان يُعرف اللَّيل من النَّهار، وكان لا يتبيَّن العدد‏.‏ ‏{‏وكل شيء‏}‏ ممَّا يُحتاج إليه ‏{‏فصلناه تفصيلاً‏}‏ بينَّاه تبييناً لا يلتبس معه بغيره‏.‏

‏{‏وكلَّ إنسان ألزمناه طائره في عنقه‏}‏ كتبنا عليه ما يعمل من خيرٍ وشرٍّ ‏{‏ونخرج له‏}‏ ونُظهر له ‏{‏يوم القيامة‏}‏ صحيفة عمله منشورةً‏.‏

‏{‏اقرأ كتابك‏}‏ أَيْ يُقال له‏:‏ اقرأ كتابك ‏{‏كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً‏}‏ مُحاسباً يقول‏:‏ كفيتَ أنت في محاسبة نفسك‏.‏

‏{‏من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه‏}‏ ثواب اهتدائه لنفسه ‏{‏ومن ضلَّ فإنما يضلُّ عليها‏}‏ على نفسه عقوبة ضلاله ‏{‏ولا تزر وازرة وزر أخرى‏}‏ وذلك أنَّ الوليد بن المغيرة، قال‏:‏ اتَّبعوني وأنا أحمل أوزاركم، فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى‏}‏ أَي‏:‏ لا تحمل نفسٌ ذنب غيرها ‏{‏وما كنا معذبين‏}‏ أحداً ‏{‏حتى نبعث رسولاً‏}‏ يُبيِّن له ما يجب عليه إقامةً للحجَّة‏.‏

‏{‏وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها‏}‏ أمرناهم على لسان رسولٍ بالطَّاعة، وعنى بالمترفين‏:‏ الجبَّارين والمُسلَّطين والملوك، وخصَّهم بالأمر لأنَّ غيرهم تبعٌ لهم‏.‏ ‏{‏ففسقوا فيها‏}‏ أَيْ‏:‏ تمرَّدوا في كفرهم، والفسق في الكفر‏:‏ الخروج إلى أفحشه ‏{‏فحقَّ عليها القول‏}‏ وجب عليها العذاب ‏{‏فدمرناها تدميراً‏}‏ أهلكناها إهلاك استئصال‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏18- 22‏]‏

‏{‏مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ‏(‏18‏)‏ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ‏(‏19‏)‏ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ‏(‏20‏)‏ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ‏(‏21‏)‏ لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا ‏(‏22‏)‏‏}‏

‏{‏من كان يريد العاجلة‏}‏ بعمله وطاعته وإسلامه الدُّنيا ‏{‏عجلنا له فيها ما نشاء‏}‏ القدر الذي نشاء ‏{‏لمن نريد‏}‏ أن نعجِّل له شيئاً، ثمَّ يدخل النَّار في الآخرة ‏{‏مذموماً‏}‏ ملوماً ‏{‏مدحوراً‏}‏ مطروداً لأنَّه لم يرد الله سبحانه بعمله‏.‏

‏{‏ومن أراد الآخرة‏}‏ الجنَّة ‏{‏وسعى لها سعيها‏}‏ عمل بفرائض الله ‏{‏وهو مؤمن‏}‏ لأنَّ الله سبحانه لا يقبل حسنةً إلاَّ من مؤمنٍِ ‏{‏فأولئك كان سعيهم مشكوراً‏}‏ تُضاعف لهم الحسنات‏.‏

‏{‏كلاً‏}‏ من الفريقين ‏{‏نمدُّ‏}‏ نزيد، ثمَّ ذكرهما فقال‏:‏ ‏{‏هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك‏}‏ يعني‏:‏ الدُّنيا، وهي مقسومةٌ بين البرِّ والفاجر ‏{‏وما كان عطاء ربك محظوراً‏}‏ ممنوعاً في الدُّنيا من المؤمنين والكافرين، ثمَّ يختصُّ المؤمنين في الآخرة‏.‏

‏{‏وانظر كيف فضلنا بعضهم على بعض‏}‏ في الرِّزق، فمن مُقلٍّ ومُكثرٍ ‏{‏وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً‏}‏ من الدُّنيا؛ لأنَّ درجات الجنَّة يقتسمونها على قدر أعمالهم‏.‏

‏{‏لا تجعل‏}‏ أَيُّها الإِنسان المخاطب ‏{‏مع الله إلهاً آخر فتقعد مذموماً‏}‏ ملوماً ‏{‏مخذولاً‏}‏ لا ناصر لك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏23- 27‏]‏

‏{‏وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ‏(‏23‏)‏ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ‏(‏24‏)‏ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا ‏(‏25‏)‏ وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ‏(‏26‏)‏ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ‏(‏27‏)‏‏}‏

‏{‏وقضى‏}‏ وأمر ‏{‏ربك أن لا تعبدوا إلاَّ إيَّاه وبالوالدين إحساناً‏}‏ وأمرَ إحساناً بالوالدين ‏{‏إمَّا يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما‏}‏ يقول‏:‏ إن عاش أحد والديك حتى يشيب ويكبر، أو هما جميعاً ‏{‏فلا تقل لهما أف‏}‏ ‏[‏لا تقل لهما‏]‏ رديئاً من الكلام، ولا تستثقلنَّ شيئاً من أمرهما ‏{‏ولا تنهرهما‏}‏ لا تُوجِهْهُما بكلامٍ تزجرهما به ‏{‏وقل لهما قولاً كريماً‏}‏ ليِّناً لطيفاً‏.‏

‏{‏واخفض لهما جناح الذل‏}‏ ألن لهما جانبك واخضع لهما ‏{‏من الرحمة‏}‏ أَيْ‏:‏ من رقَّتك عليهما وشفقتك ‏{‏وقل ربِّ ارحمهما كما ربياني‏}‏ مثل رحمتهما إيَّاي في صغري حتى ربَّياني ‏{‏صغيراً‏}‏‏.‏

‏{‏ربكم أعلم بما في نفوسكم‏}‏ بما تُضمرون من البِرِّ والعقوق ‏{‏إن تكونوا صالحين‏}‏ طائعين لله ‏{‏فإنَّه كان للأوابين‏}‏ الرَّاجعين عن معاصي الله تعالى ‏{‏غفوراً‏}‏ يغفر لهم ما بدر منهم، وهذا فيمن بدرت منه بادرةٌ وهو لا يُضمر عقوقاً، فإذا رجع عن ذلك غفر الله له، ثمَّ أنزل في برِّ الأقارب وصلة ارحامهم بالإِحسان إليهم قوله‏:‏

‏{‏وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل‏}‏ ممَّا جعل الله لهما من الحقِّ في المال ‏{‏ولا تبذر تبذيراً‏}‏ يقول‏:‏ لا تنفق في غير الحقِّ‏.‏

‏{‏إنَّ المبذرين‏}‏ المنفقين في غير طاعة الله ‏{‏كانوا إخوان الشياطين‏}‏ لأنَّهم يُوافقونهم فيما يأمرونهم به، ثمَّ ذمَّ الشَّيطان بقوله‏:‏ ‏{‏وكان الشيطان لربه كفوراً‏}‏ جاحداً لنعم الله، وهذا يتضمنَّ أنَّ المُنفق في السَّرف كفور‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏28- 31‏]‏

‏{‏وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا ‏(‏28‏)‏ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ‏(‏29‏)‏ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ‏(‏30‏)‏ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا ‏(‏31‏)‏‏}‏

‏{‏وإمَّا تعرضنَّ عنهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا سأله فقراء الصَّحابة ولم يكن عنده ما يعطيهم أعرض عنهم حياءً منهم، وسكت، وهو قوله‏:‏ ‏{‏وإمَّا تعرضنَّ عنهم ابتغاء رحمة من ربك‏}‏ انتظار الرِّزق من الله تعالى يأتيك ‏{‏فقل لهم قولاَ ميسوراً‏}‏ ليِّناً سهلاً، وكان إذا سُئل ولم يكن عنده ما يُعطي قال‏:‏ يرزقنا الله وإيَّاكم من فضله‏.‏

‏{‏ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك‏}‏ لا تُمسكها عن البذل كلَّ الإِمساك حتى كأنَّها مقبوضة إلى عنقك لا تنبسط بخيرٍ ‏{‏ولا تبسطها كلَّ البسط‏}‏ في النَّققة والعطيَّة ‏{‏فتقعد ملوماً‏}‏ تلوم نفسك وتُلام ‏{‏محسوراً‏}‏ ليس عندك شيء، من قولهم‏:‏ حسرتُ الرَّجل بالمسألة‏:‏ إذا أفنيتَ جميع ما عنده‏.‏ نزلت هذه الآية حين وهب رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه، ولم يجد ما يلبسه للخروج، فبقي في البيت‏.‏

‏{‏إنَّ ربك يبسط الرزق لمَنْ يشاء ويقدر‏}‏ يُوسِّع على مَنْ يشاء، ويُضيِّق على مَنْ يشاء ‏{‏إنَّه كان بعباده خبيراً بصيراً‏}‏ حيث أجرى رزقهم على ما علم فيه صلاحهم‏.‏

‏{‏ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم‏}‏ سبق تفسيره في سورة الأنعام وقوله‏:‏ ‏{‏خِطْئاً‏}‏ أَيْ‏:‏ إثماً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏33- 36‏]‏

‏{‏وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ‏(‏33‏)‏ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ‏(‏34‏)‏ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ‏(‏35‏)‏ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ‏(‏36‏)‏‏}‏

‏{‏ولا تقتلوا النفس التي حرَّم الله إلاَّ بالحق‏}‏ بكفرٍ بعد إسلام، أو زنا بعد إحصانٍ، أو قتل نفسٍ بتعمُّدٍ ‏{‏ومَنْ قتل مظلوماً‏}‏ أَيْ‏:‏ بغير إحدى هذه الخصال ‏{‏فقد جعلنا لوليه‏}‏ وارثه ‏{‏سلطاناً‏}‏ حجَّةً في قتل القاتل إن شاء، أو أخذ الدِّية، أو العفو ‏{‏فلا يسرف في القتل‏}‏ فلا يتجاوز ما حدَّ له، وهو أن يقتل بالواحد اثنين، أو غير القاتل ممَّنْ هو من قبيلة القاتل، كفعل العرب في الجاهليَّة‏.‏ ‏{‏إنَّه‏}‏ إنَّ الوليَّ ‏{‏كان منصوراً‏}‏ بقتل قاتل وليِّه والاقتصاص منه‏.‏ وقيل‏:‏ ‏{‏إنَّه‏}‏ إنَّ المقتول ظلماً ‏{‏كان منصوراً‏}‏ في الدُّنيا بقتل قاتله، وفي الآخرة بالثَّواب‏.‏

‏{‏ولا تقربوا مال اليتيم إلاَّ بالتي هي أحسن‏}‏ يعني‏:‏ الأكل بالمعروف، وذكرنا هذا في سورة الأنعام‏.‏ ‏{‏وأوفوا بالعهد‏}‏ وهو كلُّ ما أمر به ونهى عنه ‏{‏إنَّ العهد كان مسؤولاً‏}‏ عنه‏.‏

‏{‏وأوفوا الكيل‏}‏ أتمُّوه ‏{‏إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المسقيم‏}‏ بأقوم الموازين ‏{‏ذلك خيرٌ‏}‏ أقرب إلى الله تعالى ‏{‏وأحسن تأويلاً‏}‏ عاقبةً‏.‏

‏{‏ولا تقف ما ليس لك به علم‏}‏ لا تقولنَّ في شيءٍ بما لا تعلم ‏{‏إنَّ السمع والبصر والفؤاد كلُّ أولئك كان عنه مسؤولاً‏}‏ أَيْ‏:‏ يسأل الله العباد فيم استعملوا هذه الحواس‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏37- 42‏]‏

‏{‏وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا ‏(‏37‏)‏ كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ‏(‏38‏)‏ ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا ‏(‏39‏)‏ أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا ‏(‏40‏)‏ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا ‏(‏41‏)‏ قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا ‏(‏42‏)‏‏}‏

‏{‏ولا تمش في الأرض مرحاً‏}‏ أَيْ‏:‏ بالكبر والفخر ‏{‏إنَّك لن تخرق الأرض‏}‏ لن تثقبها حتى تبلغ آخرها، ولا تطاول الجبال، والمعنى‏:‏ إنَّ قدرتك لا تبلغ هذا المبلغ، فيكون ذلك وصلةً إلى الاختيال، يريد‏:‏ إنَّه ليس ينبغي للعاجز أن يبذخ ويستكبر‏.‏

‏{‏كلُّ ذلك‏}‏ إشارةٌ إلى جميع ما تقدَّم ذكره ممَّا أمر به ونهى عنه ‏{‏كان سَيِّئُهُ‏}‏ وهو ما حرَّم الله سبحانه ونهى عنه‏.‏

‏{‏ذلك‏}‏ يعني‏:‏ ما تقدَّم ذكره ‏{‏ممَّا أوحى إليك ربك من الحكمة‏}‏ من القرآن ومواعظه وباقي الآية مفسَّر في هذه السُّورة‏.‏ ثمَّ نزل فيمن قال من المشركين‏:‏ الملائكة بنات الله‏:‏

‏{‏أفأصفاكم ربكم بالبنين‏}‏ أَيْ‏:‏ آثركم وأخلص لكم البنين دونه، وجعل لنفسه البنات ‏{‏إنكم لتقولون قولاً عظيماً‏}‏‏.‏

‏{‏ولقد صرَّفنا‏}‏ بيَّنَّا ‏{‏في هذا القرآن من كلِّ مثل‏}‏ يوجب الاعتبار به، والتَّفكُّر فيه ‏{‏ليذكروا‏}‏ ليتَّعظوا ويتدبَّروا ‏{‏وما يزيدهم‏}‏ ذلك البيان والتَّصريف ‏{‏إلاَّ نفوراً‏}‏ من الحقِّ، وذلك أنَّهم اعتقدوا أنَّها شُبَهٌ وحيلٌ، فنفروا منها أشدَّ النُّفور‏.‏

‏{‏قل‏}‏ للمشركين‏:‏ ‏{‏لو كان معه‏}‏ مع الله ‏{‏آلهة كما يقولون إذاً لابْتَغَوْا إلى ذي العرش سبيلاً‏}‏ إذاً لابتغت الآلهة أن تزيل ملك صاحب العرش‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏44- 47‏]‏

‏{‏تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ‏(‏44‏)‏ وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا ‏(‏45‏)‏ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآَنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا ‏(‏46‏)‏ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا ‏(‏47‏)‏‏}‏

‏{‏تسبح له السموات‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ المراد بالتَّسبيح في هذه الآية الدَّلالة على أنَّ الله سبحانه خالقٌ حكيمٌ مبرَّأٌ من الأسواء، والمخلوقون والمخلوقاتُ كلُّها تدلُّ على هذا وقوله‏:‏ ‏{‏ولكن لا تفقهون تسبيحهم‏}‏ مخاطبة للكفَّار؛ لأنَّهم لا يستدلُّون ولا يعتبرون‏.‏

‏{‏وإذا قرأت القرآن‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الاية‏.‏ نزلت في قومٍ كانوا يُؤذون النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن، فحجبه الله تعالى عن أعينهم عند قراءة القرآن، حتى كانوا يمرُّون به ولا يرونه‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏مستوراً‏}‏ معناه‏:‏ ساتراً‏.‏

‏{‏وجعلنا على قلوبهم أكنة‏}‏ سبق تفسيره في سورة الأنعام‏.‏ ‏{‏وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده‏}‏ قلت‏:‏ لا إله إلاَّ الله وأنت تتلو القرآن ‏{‏ولوا على أدبارهم نفوراً‏}‏ أعرضوا عنك نافرين‏.‏

‏{‏نحن أعلم بما يستمعون به‏}‏ نزلت حين دعا عليٌّ رضي الله عنه أشراف قريش إلى طعام اتَّخذه لهم، ودخل عليهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، وقرأ عليهم القرآن، ودعاهم إلى الله سبحانه، وهم يقولون فيما بينهم متناجين‏:‏ هو ساحرٌ، وهو مسحورٌ، فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏نحن أعلم بما يستمعون به‏}‏ أَيْ‏:‏ يستمعونه‏.‏ أخبر الله سبحانه أنَّه عالمٌ بتلك الحال، وبذلك الذي كان يستمعونه ‏{‏إذ يستمعون‏}‏ إلى الرَّسول ‏{‏وإذ هم نجوى‏}‏ يتناجون بينهم بالتَّكذيب والاستهزاء ‏{‏إذ يقول الظالمون‏}‏ المشركون‏:‏ ‏{‏إن تتبعون‏}‏ ما تتبعون ‏{‏إلاَّ رجلاً مسحوراً‏}‏ مخدوعاً أن اتَّبعتموه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏48- 52‏]‏

‏{‏انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ‏(‏48‏)‏ وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ‏(‏49‏)‏ قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا ‏(‏50‏)‏ أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا ‏(‏51‏)‏ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏52‏)‏‏}‏

‏{‏انظر كيف ضربوا لك الأمثال‏}‏ بَيَّنوا لك الأشباه حين شبَّهوك بالسَّاحر والكاهن والشَّاعر ‏{‏فضلوا‏}‏ بذلك عن طريق الحقِّ ‏{‏فلا يستطعيون سبيلاً‏}‏ مخرجاً‏.‏

‏{‏وقالوا أإذا كنا عظاماً‏}‏ بعد الموت ‏{‏ورفاتاً‏}‏ وتراباً، أَنُبعث ونخلق خلقاً جديداً‏؟‏

‏{‏قل كونوا حجارة أو حديداً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ معناها يقول‏:‏ قدِّروا أنَّكم لو خُلقتم من حجارةٍ أو حديدٍ، أو كنتم الموت الذي هو أكبر الأشياء في صدوركم لأماتكم الله، ثمَّ أحياكم؛ لأنَّ القدرة التي بها أنشأكم بها يُعيدكم، وهذا معنى قوله‏:‏ ‏{‏فسيقولون من يُعيدنا قل الذي فطركم‏}‏ خلقكم ‏{‏أول مرَّة فسينغضون إليك رؤوسهم‏}‏ يُحرِّكونها تكذيباً لهذا القول ‏{‏ويقولون متى هو‏}‏‏؟‏ أَي‏:‏ الإِعادة والبعث ‏{‏قل عسى أن يكون قريباً‏}‏ يعني‏:‏ هو قريب‏.‏

‏{‏يوم يدعوكم‏}‏ بالنداء الذي يُسمعكم، وهو النَّفخة الأخيرة ‏{‏فتستجيبون‏}‏ تجيبون ‏{‏بحمده‏}‏ وهو أنَّهم يخرجون من القبور يقولون‏:‏ سبحانك وبحمدك، حمدوا حين لا ينفعهم الحمد ‏{‏وتظنون إن لبثتم إلاَّ قليلاً‏}‏ استقصروا مدَّة لبثهم في الدُّنيا، أو في البرزخ مع ما يعلمون من طول لبثهم في الآخرة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏53- 56‏]‏

‏{‏وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا ‏(‏53‏)‏ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ‏(‏54‏)‏ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ‏(‏55‏)‏ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا ‏(‏56‏)‏‏}‏

‏{‏وقل لعبادي‏}‏ المؤمنين‏:‏ ‏{‏يقولوا التي هي أحسن‏}‏ نزلت حين شكا أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إليه أذى المشركين، واستأذنوه في قتالهم، فقيل له‏:‏ قل لهم‏:‏ يقولوا للكفَّار الكلمة التي هي أحسن، وهو أن يقولوا‏:‏ يهديكم الله‏.‏ ‏{‏إن الشيطان‏}‏ هو الذي يفسد بينهم‏.‏

‏{‏ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم‏}‏ يُوفِّقكم فتؤمنوا ‏{‏أو إن يشأ يعذبكم‏}‏ بأن يميتكم على الكفر ‏{‏وما أرسلناك عليهم وكيلاً‏}‏ ما وكل إليك إيمانهم، فليس عليك إلاَّ التَّبليغ‏.‏

‏{‏وربك أعلم بمَنْ في السموات والأرض‏}‏ لأنَّه هو خالقهم ‏{‏ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض‏}‏ عن علمٍ بشأنهم، ومعنى تفضيل بعضهم على بعض‏:‏ تخصصٌ كلِّ واحد منهم بفضيلة دون الآخر ‏{‏وآتينا داود زبوراً‏}‏ أَيْ‏:‏ فلا تنكروا تفضيل محمد عليه السَّلام، وإعطاءه القرآن، فقد جرت سنَّتنا بهذا في النَّبيين‏.‏

‏{‏قل ادعوا الذين زعمتم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ ابتلى الله سبحانه قريشاً بالقحط سنين، فشكوا ذلك إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏قل ادعو الذين زعمتم‏}‏ ادَّعيتم أنَّهم آلهةٌ ‏{‏من دونه‏}‏ ثمَّ أخبر عن الآلهة فقال‏:‏ ‏{‏فلا يملكون كشف الضر‏}‏ يعني‏:‏ البؤس والشِّدة ‏{‏عنكم ولا تحويلاً‏}‏ من السَّقم والفقر إلى الصَّحة والغنى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏57- 59‏]‏

‏{‏أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ‏(‏57‏)‏ وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ‏(‏58‏)‏ وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ‏(‏59‏)‏‏}‏

ثمَّ ذكر أولياءَه فقال‏:‏ ‏{‏أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة‏}‏ يتضرَّعون إلى الله تعالى في طلب الجنَّة ‏{‏أيُّهم‏}‏ هو ‏{‏أقرب‏}‏ إلى رحمة الله سبحانه يبتغي الوسيلة إليه بصالح الأعمال‏.‏

‏{‏وإن من قرية‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ أَيْ‏:‏ وما من أهل قريةٍ إلاَّ ستهلك؛ إمَّا بموت؛ وإمَّا بعذاب يستأصلهم، أمَّا الصَّالحة فبالموت، وأمَّا الطَّالحة فبالعذاب‏.‏ ‏{‏كان ذلك في الكتاب مسطوراً‏}‏ مكتوباً في اللَّوح المحفوظ‏.‏

‏{‏وما منعنا أن نرسل بالآيات‏}‏ لمَّا سأل المشركون النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن يُوسِّع لهم مكَّة، ويجعل الصَّفا ذهباً أتاه جبريل عليه السَّلام فقال‏:‏ إن شئت كان ما سألوا، ولكنَّهم إن لم يؤمنوا لم يُنظروا، وإن شئت اتسأنيت بهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ومعناها‏:‏ أنَّا لم نرسل بالآيات لئلا يُكذِّب بها هؤلاء، كما كذَّب الذين من قبلهم فيستحقُّوا المعاجلة بالعقوبة ‏{‏وآتينا ثمود الناقة مبصرة‏}‏ آيةً مُضيئةً بيِّنةً ‏{‏فظلموا بها‏}‏ جحدوا أنَّها من الله سبحانه ‏{‏وما نرسل بالآيات‏}‏ أَي‏:‏ العبر والدِّلالات ‏{‏إلاَّ تخويفاً‏}‏ للعباد لعلَّهم يخافون القادرعلى ما يشاء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏60‏]‏

‏{‏وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا ‏(‏60‏)‏‏}‏

‏{‏وإذْ قلنا لك إنَّ ربك أحاط بالناس‏}‏ أَيْ‏:‏ فهم في قبضته وقدرته، يمنعك منهم حتى تبلِّغ الرِّسالة، ويحول بينك وبينهم أن يقتلوك‏.‏ ‏{‏وما جعلنا الرؤيا التي أريناك‏}‏ يعني‏:‏ ما أُري ليلة أُسري به، وكانت رؤيا يقظة ‏{‏والشجرة الملعونة في القرآن‏}‏ وهي شجرة الزَّقوم ‏{‏إلاَّ فتنةً للناس‏}‏ فكانت الفتنة في الرُّؤيا أنَّ بعضهم ارتدَّ حين أعلمهم بقصَّة الإسراء، وازداد الكفَّار تكذيباً، وكانت الفتنة في الزَّقوم أنَّهم قالوا‏:‏ إنَّ محمداً يزعم أنَّ في النار شجراً، والنَّار تأكل الشَّجر، وقالوا‏:‏ لا نعلم الزَّقوم إلاَّ التَّمر والزُّبد، فأنزل الله تعالى في ذلك‏:‏ ‏{‏إنَّا جعلناها فتنةً للظالمين‏}‏ الآيات ‏{‏ونخوفهم‏}‏ بالزَّقوم فما يزدادون إلاَّ كبراً وعتوَّاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏62- 63‏]‏

‏{‏قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏62‏)‏ قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا ‏(‏63‏)‏‏}‏

‏{‏قال‏}‏ يعني‏:‏ إبليس ‏{‏أرأيتك‏}‏ أَيْ‏:‏ أرأيت، والكاف توكيدٌ للمخاطبة ‏{‏هذا الذي كرَّمت عليّ‏}‏ فضَّلته‏.‏ يعني‏:‏ آدم عليه السَّلام ‏{‏لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأَحتنكنَّ ذريته‏}‏ لأستأصلنَّهم بالإغواء ولأستولينَّ عليهم ‏{‏إلاًّ قليلاً‏}‏ يعني‏:‏ ممَّن عصمه الله تعالى‏.‏

‏{‏قال‏}‏ الله‏:‏ ‏{‏اذهب‏}‏ إنِّي أنظرتك إلى يوم القيامة ‏{‏فمن تبعك‏}‏ أطاعك ‏{‏منهم‏}‏ من ذُرِّيَّتِهِ ‏{‏فإنَّ جهنم جزاؤكم جزاءً موفوراً‏}‏ وافراً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏64- 69‏]‏

‏{‏وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ‏(‏64‏)‏ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا ‏(‏65‏)‏ رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ‏(‏66‏)‏ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا ‏(‏67‏)‏ أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا ‏(‏68‏)‏ أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا ‏(‏69‏)‏‏}‏

‏{‏واستفزز من استطعت منهم‏}‏ أَيْ‏:‏ أزعجه واستخفَّه إلى إجابتك ‏{‏بصوتك‏}‏ وهو الغناء والمزامير ‏{‏وأجلب عليهم‏}‏ وصحْ ‏{‏بخيلك ورجلك‏}‏ واحثثهم عليهم بالإِغواء، وخيلُه‏:‏ كلُّ راكبٍ في معصية الله سبحانه وتعالى، وَرَجِلُه‏:‏ كلُّ ماشٍ على رجليه في معصية الله تعالى ‏{‏وشاركهم في الأموال‏}‏ وهو كلُّ ما أُخذ بغير حقٍّ ‏{‏والأولاد‏}‏ وهو كلُّ ولد زنا ‏{‏وعدهم‏}‏ أن لا جنَّة ولا نار، ولا بعث ولا حساب، وهذه الأنواع من الأمر كلُّها أمر تهديد، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وما يعدهم الشيطان إلاَّ غروراً‏}‏‏.‏

‏{‏إنَّ عبادي‏}‏ يعني‏:‏ المؤمنين ‏{‏ليس لك عليهم سلطانٌ‏}‏ حجَّةٌ في الشِّرك ‏{‏وكفى بربك وكيلاً‏}‏ لأوليائه يعصمهم من القبول مِن إبليس‏.‏

‏{‏ربكم الذي يزجي‏}‏ يسيِّر ‏{‏لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله‏}‏ في طلب التِّجَارة ‏{‏إنه كان بكم‏}‏ بالمؤمنين ‏{‏رحيماً‏}‏‏.‏

‏{‏وإذا مسَّكم الضرُّ‏}‏ خوف الغرق ‏{‏في البحر ضلَّ‏}‏ زال وبطل ‏{‏من تدعون‏}‏ من الآلهة ‏{‏إلاَّ إياه‏}‏ إلاَّ الله ‏{‏فلما نجاكم‏}‏ من الغرق وأخرجكم ‏{‏إلى البر أعرضتم‏}‏ عن الإيمان والتَّوحيد ‏{‏وكان الإِنسان‏}‏ الكافر لربِّه ‏{‏كفوراً‏}‏ لنعمة ربِّه جاحداً، ثمًّ بيَّن أنَّه قادر أن يهلكهم في البرِّ، فقال‏:‏

‏{‏أفأمنتم‏}‏ يريد‏:‏ حيث أعرضتم حين سلمتم من هول البحر ‏{‏أن يخسف بكم‏}‏ يُغيِّبكم ويذهبكم في ‏{‏جانب البَرِّ‏}‏ وهو الأرض ‏{‏أو يرسل عليكم حاصباً‏}‏ عذاباً يحصبهم، أَيْ‏:‏ يرميهم بحجارةٍ ‏{‏ثمَّ لا تجدوا لكم وكيلاً‏}‏ مانعاً ولا ناصراً‏.‏

‏{‏أم أمنتم أن يعيدكم‏}‏ في البحر ‏{‏تارةً‏}‏ مرةً ‏{‏أخرى فيرسل عليكم قاصفاً‏}‏ ريحاً شديدةً تقصف الفلك وتكسيره ‏{‏فيغرقكم بما كفرتم‏}‏ بكفركم حيث سلمتم المرة الأولى ‏{‏ثمَّ لا تجدوا لكم علينا به تبيعاً‏}‏ ثائراً ولا ناصراً، ولامعنى‏:‏ لا تجدوا مَنْ يتًّبعنا بإنكار ما نزل بكم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏70- 76‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ‏(‏70‏)‏ يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ‏(‏71‏)‏ وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ‏(‏72‏)‏ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ‏(‏73‏)‏ وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ‏(‏74‏)‏ إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ‏(‏75‏)‏ وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏76‏)‏‏}‏

‏{‏ولقد كرَّمنا‏}‏ فضَّلنا ‏{‏بني آدم‏}‏ بالعقل والنُّطق والتَّمييز ‏{‏وحملناهم في البر‏}‏ على الإِبل والخيل والبغال والحمير ‏{‏و‏}‏ في ‏{‏البحر‏}‏ على السُّفن ‏{‏ورزقناهم من الطيبات‏}‏ الثِّمار والحبوب والمواشي والسَّمن والزُّبد والحلاوى ‏{‏وفضلناهم على كثير ممن خلقنا‏}‏ يعني‏:‏ البهائم والدَّوابَّ والوحوش‏.‏

‏{‏يوم ندعو‏}‏ يعني‏:‏ يوم القيامة ‏{‏كلَّ أناسٍ بأمامهم‏}‏ بنبيِّهم، وهو أن يقال‏:‏ هاتوا مُتَّبعي إبراهيم عليه السَّلام، هاتوا مُتبَّعي موسى عليه السَّلام، هاتوا مُتَّبعي محمد عليه السَّلام، فيقوم أهل الحقِّ فيأخذون كتبهم بأيمانهم، ثمَّ يقال‏:‏ هاتوا مُتَّبِعي الشَّيطان، هاتوا مُتَّبعي رؤساء الضَّلالة، وهذا معنى قول ابن عباس‏:‏ إمام هدى وإمام ضلالة ‏{‏ولا يظلمون‏}‏ ولا ينقصون ‏{‏فتيلاً‏}‏ من الثَّواب، وهي القشرة التي في شقِّ النَّواة‏.‏

‏{‏ومَنْ كان في هذه أعمى‏}‏ في الدُّنيا أعمى القلب عمَّا يرى من قدرتي في خلق السَّماء والأرض والشَّمس والقمر وغيرهما ‏{‏فهو في الآخرة‏}‏ في أمر الآخرة ممَّا يغيب عنه ‏{‏أعمى‏}‏ أشدُّ عمىً ‏{‏وأضلُّ سبيلاً‏}‏ وأبعد حجَّةً‏.‏

‏{‏وإن كادوا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ نزلت في وفد ثقيف أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا‏:‏ متِّعنا باللاَّت سنةً، وحرِّمْ وادينا كما حرَّمت مكَّة؛ فإنَّا نحبُّ أن تعرف العربُ فضلنا عليهم، فإنْ خشيت أن تقول العرب‏:‏ أعطيتهم ما لم تعطنا فقل‏:‏ الله أمرني بذلك، وأقبلوا يلحُّون على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وقد همَّ أنْ يعطيهم ذلك، فأنزل الله‏:‏ ‏{‏وإن كادوا‏}‏ همُّوا وقاربوا ‏{‏ليفتنونك‏}‏ ليستزلُّونك ‏{‏عن الذي أوحينا إليك‏}‏ يعني‏:‏ القرآن، والمعنى‏:‏ عن حكمه، وذلك أنَّ في إعطائهم ما سألوا مخالفةً لحكم القرآن ‏{‏لتفتري علينا غيره‏}‏ أَيْ‏:‏ لتختلق علينا أشياء غير ما أوحينا إليك، وهو قولهم‏:‏ قل الله أمرني بذلك‏.‏ ‏{‏وإذاً‏}‏ لو فعلت ما أرادوا ‏{‏لاتخذوك خليلاً‏}‏‏.‏

‏{‏ولولا أن ثبتناك‏}‏ على الحقِّ بعصمتنا إيَّاك ‏{‏لقد كدت تركن‏}‏ تميل ‏{‏إليهم شيئاً‏}‏ ركوناً ‏{‏قليلاً‏}‏، ثمَّ توعَّد على ذلك لو فعله فقال‏:‏

‏{‏إذاً لأذقناك ضعف الحياة‏}‏ ضِعْفَ عذاب الدُّنيا ‏{‏وضعف الممات‏}‏ وضعف عذاب الآخرة‏.‏ يعني‏:‏ ضعف ما يعذِّب به غيره‏.‏

‏{‏وإن كادوا لَيَسْتَفزٌّونَكَ‏}‏ يعني‏:‏ اليهود‏.‏ قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنَّ الأنبياء بُعثوا بالشَّام، فإنْ كنت نبيَّاً فالحق بها، فإنَّك إنْ خرجتَ إليها آمنَّا بك، فوقع ذلك في قلبه لحبِّ إيمانهم، فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية، ومعنى ليستفزونك‏:‏ ليزعجونك ‏{‏من الأرض‏}‏ يعني‏:‏ المدينة ‏{‏وإذا لا يلبثون خلافك إلاَّ قليلاً‏}‏ أعلم الله سبحانه أنَّهم لو فعلوا ذلك لم يلبثوا حتى يستأصلوا، كسنَّتنا فيمن قبلهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏77- 83‏]‏

‏{‏سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا ‏(‏77‏)‏ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ‏(‏78‏)‏ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ‏(‏79‏)‏ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا ‏(‏80‏)‏ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ‏(‏81‏)‏ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ‏(‏82‏)‏ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا ‏(‏83‏)‏‏}‏

‏{‏سنة من قد أرسلنا قبلك‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ يقول‏:‏ لم نرسل قبلك رسولاً فأخرجه قومه إلاَّ أهلكوا‏.‏ ‏{‏ولا تجد لسنتنا تحويلاً‏}‏ لا خُلف لسنَّتي، ولا يقدر أحدٌ أن يقلبها‏.‏

‏{‏أقم الصلاة‏}‏ أَيْ‏:‏ أدمها ‏{‏لدلوك الشمس‏}‏ من وقت زوالها ‏{‏إلى غسق الليل‏}‏ إقباله بظلامه، فيدخل في هذا صلاة الظُّهر والعصر والعشاءين ‏{‏وقرآن الفجر‏}‏ يعني‏:‏ صلاة الفجر، سمَّاها قرآناً لأنَّ الصَّلاة لا تصحُّ إلاَّ بقراءة القرآن‏.‏ ‏{‏إنَّ قرآن الفجر كان مشهوداً‏}‏ تشهده ملائكة اللَّيل وملائكة النَّهار‏.‏

‏{‏ومن الليل فتهجد‏}‏ فصلِّ ‏{‏به‏}‏ بالقرآن ‏{‏نافلة لك‏}‏ زيادةً لك في الدَّرجات؛ لأنه غُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، فما عمل من عملٍ سوى المكتوبة فهو نافلةٌ لك، من أجل أنَّه لا يعمل ذلك في كفَّارة الذُّنوب ‏{‏عسى أن يبعثك ربك‏}‏ ‏"‏ عسى ‏"‏ من الله واجبٌ، ومعنى يبعثك ربُّك‏:‏ يقيمك ربُّك في مقامٍ محمودٍ، وهو مقام الشَّفاعة يحمده فيه الخلق‏.‏

‏{‏وقل ربِّ أدخلني‏}‏ لمَّا أُمر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بالهجرة أُنزلت عليه هذه الآية، ومعناها‏:‏ أدخلني المدينة إدخال صدق، أَيْ‏:‏ إدخالاً حسناً لا أرى فيه ما أكره ‏{‏وأخرجني‏}‏ من مكة إخراج صدق لا ألتفت إليها بقلبي ‏{‏واجعل لي من لَدُنْكَ سلطاناً نصيراً‏}‏ قوَّة القدرة والحجَّة حتى أُقيم بهما دينك‏.‏

‏{‏وقل جاء الحق‏}‏ الإِسلام ‏{‏وزهق الباطل‏}‏ واضمحلَّ الشِّرك ‏{‏إن الباطل‏}‏ الشِّرك ‏{‏كان زهوقاً‏}‏ مضمحلاً زائلاً‏.‏ أُمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يقول هذا عند دخول مكَّة يوم الفتح‏.‏

‏{‏وننزل من القرآن‏}‏ أَيْ‏:‏ من الجنس الذي هو القرآن ‏{‏ما هو شفاء‏}‏ من كلِّ داءٍ؛ لأنَّ الله تعالى يدفع به كثيراً من المكاره ‏{‏ورحمةٌ للمؤمنين‏}‏ ثوابٌ لا انقطاع له في تلاوته ‏{‏ولا يزيد‏}‏ القرآن ‏{‏الظالمين‏}‏ المشركين ‏{‏إلاَّ خساراً‏}‏ لأنَّهم يكفرون به ولا ينتفعون بمواعظه‏.‏

‏{‏وإذا أنعمنا على الإِنسان‏}‏ يريد‏:‏ الوليد بن المغيرة ‏{‏أعرض‏}‏ عن الدُّعاء والابتهال، فلا يبتهل كابتهاله في البلاء والمحنة ‏{‏ونأى بجانبه‏}‏ بَعُد بنفسه عن القيام بحقوق نعم الله تعالى ‏{‏وإذا مسه الشر‏}‏ أصابه المرض والفقر ‏{‏كان يؤساً‏}‏ يائساً عن الخير ومن رحمة الله سبحانه؛ لأنَّه لا يثق بفضل الله تعالى على عباده‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏84- 86‏]‏

‏{‏قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا ‏(‏84‏)‏ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏85‏)‏ وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا ‏(‏86‏)‏‏}‏

‏{‏قل كلٌّ يعمل على شاكلته‏}‏ على مذهبه وطريقته، فالكافر يعمل ما يشبه طريقته من الإِعراض عند الإِنعام، واليأس عند الشدَّة، والمؤمن يفعل ما يشبه طريقته من الشكر عند الرَّخاء، والصَّبر والاحتساب عند البلاء، ألا ترى أنَّه قال‏:‏ ‏{‏فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً‏}‏ أَيْ‏:‏ بالمؤمن الذي لا يُعرض عند النِّعمة ولا ييئس عند المحنة‏.‏

‏{‏ويسألونك‏}‏ يعني‏:‏ اليهود ‏{‏عن الروح‏}‏ والرُّوح‏:‏ ما يحيا به البدن، سألوه عن ذلك وحقيقته وكيفيَّته، وموضعه من البدن، وذلك ما لم يُخبر الله سبحانه به أحداً، ولم يُعط علمه أحداً من عبادِه، فقال‏:‏ ‏{‏قل الروح من أمر ربي‏}‏ أَيْ‏:‏ من علم ربِّي، أَيْ‏:‏ إنَّكم لا تعلمونه، وقيل‏:‏ من خلق ربِّي، أيْ‏:‏ إنَّه مخلوقٌ له‏.‏ ‏{‏وما أوتيتم من العلم إلاَّ قليلاً‏}‏ وكانت اليهود تدَّعي علم كلِّ شي بما في كتابهم، فقيل لهم‏:‏ وما أوتيتم من العلم إلاَّ قليلاً بالإِضافة إلى علم الله تعالى‏.‏

‏{‏ولئن شئنا لنذهبنَّ بالذي أوحينا إليك‏}‏ لنمحونَّه من القلوب ومن الكتب حتى لا يوجد له أثر ‏{‏ثم لا تجد لك به علينا وكيلاً‏}‏ لا تجد مَنْ تتوكَّلُ عليه في ردِّ شيءٍ منه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏87- 95‏]‏

‏{‏إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا ‏(‏87‏)‏ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ‏(‏88‏)‏ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ‏(‏89‏)‏ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ‏(‏90‏)‏ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا ‏(‏91‏)‏ أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا ‏(‏92‏)‏ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ‏(‏93‏)‏ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا ‏(‏94‏)‏ قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا ‏(‏95‏)‏‏}‏

‏{‏إلاَّ رحمة من ربك‏}‏ لكنَّ الله رحمك فأثبت ذلك في قلبك وقلوب المؤمنين ‏{‏إن فضله كان عليك كبيراً‏}‏ حيث جعلك سيِّد وَلدِ آدم، وأعطاك المقام المحمود‏.‏

‏{‏قل لئن اجتمعت الإِنس والجن‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ لمَّا تحدَّاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن وعجزوا عن معارضته أنزل الله‏:‏ ‏{‏قل لِئن اجتمعت الإِنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن‏}‏ في نظمه وبلاغته ‏{‏لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً‏}‏ مُعيناً مثل ما يتعاون الشعراء على بيت شعرٍ فيقيمونه‏.‏

‏{‏ولقد صرَّفنا‏}‏ بَيَّنّا ‏{‏للناس في هذا القرآن‏}‏ لأهل مكَّة ‏{‏من كلِّ مثل‏}‏ من الأمثال التي يجب بها الاعتبار ‏{‏فأبى أكثر الناس‏}‏ أكثر أهل مكَّة ‏{‏إلاَّ كفوراً‏}‏ جحوداً للحقِّ، واقترحوا من الآيات ما ليس لهم، وهو قوله تعالى‏:‏

‏{‏وقالوا لن نؤمن لك‏}‏ لن نصدِّقك ‏{‏حتى تفجر‏}‏ تشقق ‏{‏لنا من الأرض ينبوعاً‏}‏ عيناً من الماء، وذلك أنَّهم سألوه أَن يجريَ لهم نهراً كأنهار الشَّام والعراق‏.‏

‏{‏أو تكون لك جنَّة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ هذا أيضاً كان فيما اقترحوه عليه‏.‏

‏{‏أو تسقط السماء كما زعمت‏}‏ أنَّ ربَّك إن شاء فعل ذلك ‏{‏كسفاً‏}‏ أَيْ‏:‏ قطعاً ‏{‏أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً‏}‏ تأتي بهم حتى نراهم مقابلةً وعياناً‏.‏

‏{‏أو يكون لك بيتٌ من زخرف‏}‏ من ذهبٍ، فكان فيما اقترحوا عليه أن يكون له جنَّاتٌ وكنوزٌ وقصورٌ من ذهبٍ ‏{‏أو ترقى في السماء‏}‏ وذلك أنَّ عبد الله بن أبي أُميَّة قال‏:‏ لا أؤمن بك يا محمَّد أبداً حتى تتَّخذ سلماً إلى السماء، ثمَّ ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها، وتأتي بنسخةٍ منشورةٍ معك، ونفر من الملائكة يشهدون لك أنَّك كما تقول، فقال الله سبحانه‏:‏ ‏{‏قل سبحان ربي هل كنت إلاَّ بشراً رسولاً‏}‏ أَيْ‏:‏ إنَّ هذه الأشياء ليس في قوى البشر‏.‏

‏{‏وما منع الناس‏}‏ يعني‏:‏ أهل مكَّة ‏{‏أن يؤمنوا‏}‏ أَيْ‏:‏ الإِيمان ‏{‏إذ جاءهم الهدى‏}‏ البيان، وهو القرآن ‏{‏إلاَّ أن قالوا‏}‏ إلاَّ قولهم في التَّعجب والإِنكار‏:‏ ‏{‏أبعث الله بشراً رسولاً‏}‏ أَيْ‏:‏ هلاَّ بعث مَلَكاً، فقال الله تعالى‏:‏

‏{‏قل لو كان في الأرض‏}‏ بدل الآدميين ‏{‏ملائكة يمشون مطمئنين‏}‏ مستوطنين الأرض ‏{‏لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً‏}‏ يريد‏:‏ إنَّ الأبلغ في الأداء إليهم بشرٌ مثلهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏97‏]‏

‏{‏وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ‏(‏97‏)‏‏}‏

‏{‏ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً‏}‏ يمشيهم الله سبحانه على وجوههم عُمياً لا يرون شيئاً يسرُّهم ‏{‏وبكماً‏}‏ لا ينطقون بحجَّةٍ ‏{‏وصماً‏}‏ لا يسمعون شيئاً يسرُّهم ‏{‏كلما خبت‏}‏ أَيْ‏:‏ سكن لهبها ‏{‏زدناهم سعيراً‏}‏ ناراً تتسعر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏98- 108‏]‏

‏{‏ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ‏(‏98‏)‏ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا ‏(‏99‏)‏ قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا ‏(‏100‏)‏ وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا ‏(‏101‏)‏ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ‏(‏102‏)‏ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا ‏(‏103‏)‏ وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا ‏(‏104‏)‏ وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ‏(‏105‏)‏ وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا ‏(‏106‏)‏ قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ‏(‏107‏)‏ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ‏(‏108‏)‏‏}‏

‏{‏ذلك جزاؤهم‏}‏ هذه الآية مفسَّرة في هذه السُّورة‏.‏

‏{‏أَوَلَمْ يروا‏}‏ أَوَلَمْ يعلموا ‏{‏أنَّ الله الذي خلق السموات والأرض قادرٌ على أن يخلق مثلهم‏}‏ أَيْ‏:‏ يخلقهم ثانياً، وأراد ب ‏{‏مثلهم‏}‏ إيَّاهم، وتمَّ الكلام، ثمَّ قال‏:‏ ‏{‏وجعل لهم أجلاً لا ريب فيه‏}‏ يعني‏:‏ أجل الموت وأجل القيامة ‏{‏فأبى الظالمون‏}‏ المشركون ‏{‏إلاَّ كفوراً‏}‏ جحوداً بذلك الأجل، وهو البعث والقيامة‏.‏

‏{‏قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي‏}‏ خزائن الرِّزق ‏{‏إذاً لأمسكتم‏}‏ لبخلتم ‏{‏خشية الإِنفاق‏}‏ أن تنفقوا فتفتقروا ‏{‏وكان الإِنسان قتوراً‏}‏ بخيلاً، ثمَّ ذكر قصَّة موسى عليه السَّلام وما آتاه من الآيات وإنكار فرعون ذلك، فقال‏:‏

‏{‏ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات‏}‏ وهي العصا واليد، وفلق البحر، والطمسة، وهي قوله‏:‏ ‏{‏ربَّنا اطمسْ على أموالِهم‏}‏ والطُّوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدَّم ‏{‏فاسأل‏}‏ يا محمد ‏{‏بني إسرائيل‏}‏ المؤمنين من قريظة والنَّضير ‏{‏إذ جاءهم‏}‏ يعني‏:‏ جاء آباءَهم، وهذا سؤال استشهاد ليعرف اليهود صحَّة ما يقول محمَّد عليه السَّلام بقول علمائهم ‏{‏فقال له فرعون‏:‏ إني لأظنُّك يا موسى مسحوراً‏}‏ ساحراً فقال موسى عليه السَّلام‏:‏

‏{‏لقد علمت ما أنزل هؤلاء‏}‏ الآيات ‏{‏إلاَّ رب السموات والأرض بصائر‏}‏ عبراً ودلائل ‏{‏وإني لأظنك‏}‏ لأعلمك ‏{‏يا فرعون مثبوراً‏}‏ ملعوناً مطروداً‏.‏

‏{‏فأراد‏}‏ فرعون ‏{‏أن يستفزهم‏}‏ يخرجهم، يعني‏:‏ موسى وقومه ‏{‏من الأرض‏}‏ أرض مصر‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏فإذا جاء وعد الآخرة‏}‏ يريد‏:‏ يوم القيامة‏.‏ ‏{‏جئنا بكم لفيفاً‏}‏ مُجتمعين مُختلطين‏.‏

‏{‏وبالحق أنزلناه‏}‏ أَيْ‏:‏ أنزلنا القرآن بالدِّين القائم، والأمر الثَّابت ‏{‏وبالحق نزل‏}‏ وبمحمَّد نزل القرآن، أَيْ‏:‏ عليه نزل، كما تقول‏:‏ نزلتُ بزيدٍ‏.‏

‏{‏وقرآناً فرقناه‏}‏ قطعناه آيةً آيةً، وسورةً سورةً في عشرين سنة ‏{‏لتقرأه على الناس على مكث‏}‏ تُؤَدةٍ وَتَرسُّلٍ ليفهموه ‏{‏ونَزَّلْناهُ تنزيلاً‏}‏ نجوماً بعد نجومٍ وشيئاً بعد شيءٍ‏.‏

‏{‏قل‏}‏ لأهل مكَّة‏:‏ ‏{‏آمنوا‏}‏ بالقرآن ‏{‏أو لا تؤمنوا‏}‏ به، وهذا تهديد، أَيْ‏:‏ فقد أنذر الله، وبلَّغ رسوله ‏{‏إنَّ الذين أوتوا العلم من قبله‏}‏ من قبل القرآن‏.‏ يعني‏:‏ ناساً من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل على النبيِّ صلى الله عليه وسلم خرُّوا سُجَّداً‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏إن كان وعد ربنا لمفعولاً‏}‏ أَيْ‏:‏ وعده بإنزال القرآن وبعث محمِّد عليه السَّلام لمفعولاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏109- 111‏]‏

‏{‏وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ‏(‏109‏)‏ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ‏(‏110‏)‏ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ‏(‏111‏)‏‏}‏

‏{‏ويخرون للأذقان يبكون‏}‏ كرَّر القول لتكرُّر الفعل منهم ‏{‏ويزيدهم‏}‏ القرآن ‏{‏خشوعاً‏}‏‏.‏

‏{‏قل ادعوا الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ يا الله، يا رحمان، فسمع ذلك أبو جهل فقال‏:‏ إنَّ محمداً ينهاناً أن نعبد إلهين، وهو يدعو إلهاً آخر مع الله يقال له‏:‏ الرَّحمن، فأنزل الله سبحانه‏:‏ ‏{‏قل‏}‏ يا محمد ‏{‏ادعوا الله‏}‏ يا معشر المؤمنين ‏{‏أو ادعوا الرحمن‏}‏ إن شئتم قولوا‏:‏ يا الله وإن شئتم قولوا‏:‏ يا رحمان ‏{‏أياً ما تدعوا‏}‏ أَيَّ أسماءِ اللَّهِ تدعوا ‏{‏فله الأسماء الحسنى‏}‏‏.‏ ‏{‏ولا تجهر بصلاتك‏}‏ بقراءتك فيسمعها المشركون فيسبُّوا القرآن ‏{‏ولا تخافت بها‏}‏ ولا تُخفها عن أصحابك فلا تسمعهم ‏{‏وابتغِ بين ذلك سبيلاً‏}‏ اسلك طريقاً بين الجهر والمخافتة، وقوله‏:‏

‏{‏ولم يكن له وليٌّ من الذل‏}‏ لم يكن له وليٌّ ينصره ممَّن استّذلَّه من البشر ‏{‏وكبره تكبيراً‏}‏ عظمه عظمةً تامَّةً‏.‏

سورة الكهف

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 2‏]‏

‏{‏الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ‏(‏1‏)‏ قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا ‏(‏2‏)‏‏}‏

‏{‏الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً‏}‏ اختلافاً والتباساً‏.‏

‏{‏قيماً‏}‏ مستقيماً‏.‏ يريد‏:‏ أنزل على عبده الكتاب قيِّماً، ولم يجعل له عوجاً ‏{‏لينذر‏}‏ الكافرين ‏{‏بأساً‏}‏ عذاباً ‏{‏شديداً من لدنه‏}‏ من قِبَلِه، وقوله‏:‏ ‏{‏أجراً حسناً‏}‏ يعني‏:‏ الجنَّة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏4- 5‏]‏

‏{‏وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ‏(‏4‏)‏ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآَبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ‏(‏5‏)‏‏}‏

‏{‏وينذر‏}‏ بعذابِ الله ‏{‏الذين قالوا اتخذ الله ولداً‏}‏ وهم اليهود والنَّصارى‏.‏

‏{‏ما لهم به‏}‏ بذلك القول ‏{‏من علمٍ‏}‏ لأنَّهم قالوه جهلاً وافتراءً على الله ‏{‏ولا لآبائهم‏}‏ الذين قالوا ذلك‏.‏ ‏{‏كبرت كلمة‏}‏ مقالتهم تلك كلمةً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏6- 12‏]‏

‏{‏فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ‏(‏6‏)‏ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ‏(‏7‏)‏ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا ‏(‏8‏)‏ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا ‏(‏9‏)‏ إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ‏(‏10‏)‏ فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ‏(‏11‏)‏ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا ‏(‏12‏)‏‏}‏

‏{‏فلعلك باخع نفسك‏}‏ قاتلها ‏{‏على آثارهم‏}‏ على أثر تولِّيهم وإعراضهم عنك لشدَّة حرصك على إيمانهم ‏{‏إن لم يؤمنوا بهذا الحديث‏}‏ يعني‏:‏ القرآن ‏{‏أسفاً‏}‏ غيظاً وحزناً‏.‏

‏{‏إنا جعلنا ما على الأرض‏}‏ يعني‏:‏ ما خلق في الدُّنيا من الأشجار والنَّبات ولاماء وكلِّ ذي روح على الأرض ‏{‏زينة لها‏}‏ زيَّناها بما خلقنا فيها ‏{‏لنبلوهم أيهم أحسن عملاَ‏}‏ أزهد فيها، وأترك لها، ثمَّ أعلم أنَّه يُفني ذلك كلَّه، فقال‏:‏

‏{‏وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً‏}‏ بلاقع ليس فيها نبات‏.‏

‏{‏أم حسبت‏}‏ بل أحسبت ‏{‏أنَّ أصحاب الكهف‏}‏ وهو المغارة في الجبل ‏{‏والرقيم‏}‏ وهو اللَّوح الذي كُتبت فيه أسماؤهم وأنسابهم ‏{‏كانوا من آياتنا عجباً‏}‏ أَيْ‏:‏ لم يكونوا بأعجب آياتنا، ولم يكونوا العجب من آياتنا فقط؛ فإنَّ آياتنا كلَّها عجب، وكانت قريش سألوا محمداً صلى الله عليه وسلم عن خبر فتيةٍ فُقدوا في الزمان الأوَّل بتلقين اليهود قريشاً ذلك، فأنزل الله سبحانه على نبيِّه عليه السَّلام خبرهم، فقال‏:‏

‏{‏إذ أوى‏}‏ اذكر إذ أوى ‏{‏الفتية إلى الكهف‏}‏ هربوا إليه ممَّن يطلبهم، فاشتغلوا بالدُّعاء، والتَّضرُّع ‏{‏فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة‏}‏ أعطنا من عندك مغفرةً ورزقاً ‏{‏وهيِّئ‏}‏ أصلح ‏{‏لنا من أمرنا رشداً‏}‏ أَيْ‏:‏ أرشدنا إلى ما يُقرِّب منك‏.‏

‏{‏فضربنا على آذانهم‏}‏ سددنا آذانهم بالنَّوم ‏{‏في الكهف سنين عدداً‏}‏ معدودةً‏.‏

‏{‏ثم بعثناهم‏}‏ ايقظناهم من نومهم ‏{‏لنعلم‏}‏ لنرى ‏{‏أيّ الحزبين‏}‏ من المؤمنين والكافرين ‏{‏أحصى‏}‏ أعدُّ ‏{‏لما لبثوا‏}‏ للبثهم في الكهف نائمين ‏{‏أمداً‏}‏ غايةً، وكان وقع اختلافٌ بين فريقين من المؤمنين والكافرين في قدر مدَّة فقدهم، ومنذ كم فقدوهم، فبعثهم الله سبحانه من نومهم ليتبيَّن ذلك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏13- 18‏]‏

‏{‏نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ‏(‏13‏)‏ وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا ‏(‏14‏)‏ هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ‏(‏15‏)‏ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا ‏(‏16‏)‏ وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا ‏(‏17‏)‏ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا ‏(‏18‏)‏‏}‏

‏{‏نحن نقصُّ عليك نبأهم‏}‏ خبرهم ‏{‏بالحق‏}‏ بالصِّدق ‏{‏إنهم فتية‏}‏ شُبَّانٌ وأحداثٌ ‏{‏آمنوا بربهم وزدناهم هدى‏}‏ ثبَّتناهم على ذلك‏.‏

‏{‏وربطنا على قلوبهم‏}‏ ثبتناها بالصَّبر واليقين ‏{‏إذ قاموا‏}‏ بين يديّ ملكهم الذي كان يفتن أهل الأديان عن دينهم ‏{‏فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلهاً لقد قلنا إذاً شططاً‏}‏ كذباً وجوراً إنْ دعونا غيره‏.‏

‏{‏هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة‏}‏ يعنون‏:‏ الذين عبدوا الأصنام في زمانهم ‏{‏لولا‏}‏ هلاَّ ‏{‏يأتون عليهم‏}‏ على عبادتهم ‏{‏بسلطانٍ بيِّن‏}‏ بحجَّةٍ بيِّنةٍ ‏{‏فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً‏}‏ فزعم أنَّ معه إلهاً، فقال لهم تمليخا- وهو رئيسهم-‏:‏

‏{‏وإذ اعتزلتموهم‏}‏ فارقتموهم ‏{‏وما يعبدون‏}‏ من الأصنام ‏{‏إلاَّ الله‏}‏ فإنكم لن تتركوا عبادته ‏{‏فأووا إلى الكهف‏}‏ صيروا إليه ‏{‏ينشر لكم ربكم من رحمته‏}‏ يبسطها عليكم ‏{‏ويهيَّئ لكم من أمركم مرفقاً‏}‏ يُسهَّل لكم غذاءً تأكلونه‏.‏

‏{‏وترى الشمس إذا طلعت تزاور‏}‏ تميل عن كهفهم ‏{‏ذات اليمين‏}‏ في ناحية اليمين ‏{‏وإذا غربت تقرضهم‏}‏ تتركهم وتتجاوز عنهم ‏{‏ذات الشمال‏}‏ في ناحية الشِّمال، فلا تصيبهم الشَّمس ألبتةَ؛ لأنَّها تميل عنهم طالعةَ غاربةً، فتكون صورهم محفوظة، ‏{‏وهم في فجوة منه‏}‏ مُتَّسعٍ من الكهف ينالهم برد الرِّيح ونسيم الهواء‏.‏ ‏{‏ذلك‏}‏ التَّزوار والقرض ‏{‏من آيات الله‏}‏ دلائل قدرته ولطفه بأصحاب الكهف‏.‏ ‏{‏من يهد الله فهو المهتد‏}‏ أشار إلى أنَّه هو الذي تولَّى هدايتهم، ولولا ذلك لم يهتدوا‏.‏

‏{‏وتحسبهم أيقاظاً‏}‏ لأنَّ أعينهم مُفتَّحة ‏{‏وهم رقود‏}‏ نيامٌ ‏{‏ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال‏}‏ لئلا تأكل الأرض لحومهم ‏{‏وكلبهم باسط ذراعيه‏}‏ يديه ‏{‏بالوصيد‏}‏ بفناء الكهف ‏{‏لو اطلعت‏}‏ أشرفت ‏{‏عليهم لوليت‏}‏ أعرضت ‏{‏منهم فراراً ولملئت منهم رعباً‏}‏ خوفاً وذلك أنَّ الله تعالى منعهم بالرُّعب لئلا يراهم أحد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏19- 21‏]‏

‏{‏وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ‏(‏19‏)‏ إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا ‏(‏20‏)‏ وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ‏(‏21‏)‏‏}‏

‏{‏وكذلك‏}‏ وكما فعلنا بهم هذه الأشياء ‏{‏بعثناهم‏}‏ أيقظناهم من تلك النَّومة التي تشبه الموت ‏{‏ليتساءلوا بينهم‏}‏ ليكون بينهم تساؤلٌ عن مدَّة لبثهم ‏{‏قال قائل منهم كم لبثتم‏}‏ كم مرَّ علينا منذ دخلنا الكهف‏؟‏ ‏{‏قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم‏}‏ وذلك أنَّهم دخلوا الكهف غدوةً، وبعثهم الله في آخر النَّهار، لذلك قالوا‏:‏ يوماً، فلمَّا رأوا الشمس قالوا‏:‏ أو بعض يوم، وكان قد بقيت من النَّهار بقيةٌ، فقال تمليخا‏:‏ ‏{‏ربكم أعلم بما لبثتم‏}‏ ردَّ علم ذلك إلى الله سبحانه ‏{‏فابعثوا أحدكم بورقكم‏}‏ بدراهمكم ‏{‏هذه إلى المدينة فلينظر أيها‏}‏ أَيُّ أهلها ‏{‏أزكى طعاماً‏}‏ أحلّ من جهةِ أنَّه ذبيحةُ مؤمن، أو من جهة أنَّه غير مغصوب، وقوله‏:‏ ‏{‏وليتلطف‏}‏ في دخول المدينة وشراء الطَّعام حتى لا يَطَّلِع عليه أحدٌ ‏{‏ولا يشعرنَّ بكم‏}‏ ولا يخبرنَّ بكم ولا بمكانكم ‏{‏أحداً‏}‏‏.‏

‏{‏إنهم إن يظهروا عليكم‏}‏ يطَّلعوا ويُشرفوا عليكم ‏{‏يرجموكم‏}‏ يقتلوكم ‏{‏أو يعيدوكم في ملتهم‏}‏ يردُّوكم إلى دينهم ‏{‏ولن تفلحوا إذاً أبداً‏}‏ لن تسعدوا في الدُّنيا ولا في الآخرة إن رجعتم إلى دينهم‏.‏

‏{‏وكذلك‏}‏ وكما بعثناهم وأنمناهم ‏{‏أَعْثرنا‏}‏ أطلعنا ‏{‏عليهم ليعلموا‏}‏ ليعلم القوم الذين كانوا في ذلك الوقت ‏{‏أنَّ وعد الله‏}‏ بالثَّواب والعقاب ‏{‏حقٌّ وأنَّ الساعة‏}‏ القيامة ‏{‏لا ريب فيها‏}‏ لا شكَّ فيها، وذلك أنَّهم يستدلُّون بقصَّتهم على صحَّة أمر البعث ‏{‏إذ يتنازعون‏}‏ أَي‏:‏ اذكر يا محمد إذ يتنازع أهلُ ذلك الزَّمان أمرَ أصحاب الكهف ‏{‏بينهم‏}‏ وذلك أنَّهم كانوا يختلفون في مدَّة مكثهم وفي عددهم‏.‏ وقيل‏:‏ تنازعوا فقال المؤمنون‏:‏ نبني عندهم مسجداً، وقال الكافرون‏:‏ نُحوِّط عليهم حائطاً‏.‏ يدلُّ على هذا قوله‏:‏ ‏{‏ابنوا عليهم بنياناً‏}‏ استروهم عن النَّاس ببناءٍ حولهم، وقوله‏:‏ ‏{‏ربُّهم أعلم بهم‏}‏ يدلُّ على أنَّه وقع تنازعٌ في عدَّتهم‏.‏ ‏{‏قال الذين غلبوا على أمرهم‏}‏ وهم المؤمنون، وكانوا غالبين في ذلك الوقت‏.‏ ‏{‏لنتخذنَّ عليهم مسجداً‏}‏ فذكر في القصَّة أنّه جعل على باب الكهف مسجد يصلَّى فيه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏22- 25‏]‏

‏{‏سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا ‏(‏22‏)‏ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ‏(‏23‏)‏ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا ‏(‏24‏)‏ وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا ‏(‏25‏)‏‏}‏

‏{‏سيقولون ثلاثة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ أخبر الله تعالى عن تنازعٍ يجري في عدَّة أصحاب الكهف، فجرى ذلك بالمدينة حين قدم وفد نصارى نجران، فجرى ذكر أصحاب الكهف، فقالت اليعقوبيَّة منهم‏:‏ كانوا ثلاثةً رابعُهم كلبهم، وقالت النِّسطورية‏:‏ كانوا خمسةً سادسهم كلبهم، وقال المسلمون‏:‏ كانوا سبعةً وثامنهم كلبهم، فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلاَّ قليل‏}‏ من النَّاس‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ أنا من ذلك القليل، ثمَّ ذكرهم بأسمائهم فذكر سبعة‏.‏ ‏{‏فلا تمار‏}‏ فلا تجادل في أصحاب الكهف ‏{‏إلاَّ مراءً ظاهراً‏}‏ بما أنزل عليك، أَيْ‏:‏ أَفتِ في قصَّتهم بالظَّاهر الذي أنزل إليك، وقل‏:‏ لا يعلمهم إلاَّ قليل كما أنزل الله‏:‏ ‏{‏ما يعلمهم إلاَّ قليل‏}‏، ‏{‏ولا تستفت فيهم‏}‏ في أصحاب الكهف ‏{‏منهم‏}‏ من أهل الكتاب ‏{‏أحداً‏}‏‏.‏

‏{‏ولا تقولنَّ لشيء إني فاعل ذلك غداً إلاَّ أن يشاء الله‏}‏ هذا تأديبٌ من الله سبحانه لنبيِّه صلى الله عليه وسلم، وأمرٌ له بالاستثناء بمشيئة الله سبحانه فيما يعزم‏.‏ يقول‏:‏ إذا قلت لشيءٍ‏:‏ إني فاعله غداً فقل‏:‏ إن شاء الله‏.‏ ‏{‏واذكر ربك إذا نسيت‏}‏ أراد‏:‏ إذا نسيت الاستثناء بمشيئة الله سبحانه فاذكره وقله إذا تذكَّرت ‏{‏وقل عسى أن يهديني ربي‏}‏ أَيْ‏:‏ يعطيني ربِّي من الآيات والدّلالات على النُّبوَّة ما يكون أقرب في الرُّشد، وأدلَّ من صحَّة قصَّة أصحاب الكهف، ثمَّ فعل الله به ذلك حيث أتاه علم غيوب المرسلين وخبرهم، ثمَّ أخبر عن قدر مدَّة لبثهم في الكهف بقوله‏:‏

‏{‏ولبثوا في كهفهم‏}‏ منذ دخلوه إلى أن بعثهم الله ‏{‏ثلثمائةٍ سنين وازدادوا‏}‏ بعدها تسع سنين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏26- 32‏]‏

‏{‏قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِع مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ‏(‏26‏)‏ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ‏(‏27‏)‏ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ‏(‏28‏)‏ وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا ‏(‏29‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ‏(‏30‏)‏ أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا ‏(‏31‏)‏ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ‏(‏32‏)‏‏}‏

‏{‏قل‏}‏ يا محمد‏:‏ ‏{‏الله أعلم بما لبثوا‏}‏ ممَّن يختلف في ذلك ‏{‏له غيبُ السموات والأرض‏}‏ علم ما غاب فيهما عن العباد ‏{‏أبصر به وأسمع‏}‏ ما أبصرَ الله تعالى بكلِّ موجودٍ، وأسمعَه تعالى لكلِّ مسموعٍ ‏{‏ما لهم‏}‏ لأهل السَّموات والأرض ‏{‏من‏}‏ دون الله ‏{‏من ولي‏}‏ ناصرٍ ‏{‏ولا يشرك‏}‏ الله ‏{‏في حكمه أحداً‏}‏ فليس لأحدٍ أن يحكم بحكمٍ لم يحكمْ به الله‏.‏

‏{‏واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك‏}‏ اتَّبع القرآن ‏{‏لا مبدِّل لكلماته‏}‏ لا مغيِّر للقرآن ‏{‏ولن تجد من دونه ملتحداً‏}‏ أَيْ‏:‏ ملجأ‏.‏

‏{‏واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي‏}‏ مفسَّر في سورة الأنعام إلى قوله‏:‏ ‏{‏ولا تعدُ عيناك عنهم‏}‏ أَيْ‏:‏ لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الهيئات والرُّتبة ‏{‏تريد زينة الحياة الدنيا‏}‏ تريد مجالسة الأشراف ‏{‏ولا تطع‏}‏ في تنحية الفقراء عنك ‏{‏من إغفلنا قلبه عن ذكرنا‏}‏ جعلناه غافلاً‏.‏ ‏{‏وكان أمره فرطاً‏}‏ أَيْ‏:‏ ضَياعاً هلاكاً؛ لأنَّه ترك الإِيمان والاستدلال بآيات الله تعالى واتَّبع هواه‏.‏

‏{‏وقل‏}‏ يا محمَّد لمن جاءك من النَّاس‏:‏ ‏{‏الحق من ربكم‏}‏ يعني‏:‏ ما آتيتكم به من الإِسلام والقرآن ‏{‏فمن شاء فليؤمن ومَنْ شاء فليكفر‏}‏ تخييرٌ معناه التَّهديد‏.‏ ‏{‏إنا أعتدنا‏}‏ هيَّأنا ‏{‏للظالمين‏}‏ الذين عبدوا غير الله تعالى ‏{‏ناراً أحاط بهم سرادقها‏}‏ وهو دخان يحيط بالكفَّار يوم القيامة‏.‏ ‏{‏وإن يستغيثوا‏}‏ ممَّا هم فيه من العذاب والعطش ‏{‏يُغاثوا بماءٍ كالمهل‏}‏ كمذاب الحديد والرَّصاص في الحرارة ‏{‏يشوي الوجوه‏}‏ حتى يسقط لحمها، ثمَّ ذمَّه فقال‏:‏ ‏{‏بئس الشراب‏}‏ هو ‏{‏وساءت‏}‏ النَّار ‏{‏مرتفقاً‏}‏ منزلاً، ثمَّ ذكر ما وعد المؤمنين فقال‏:‏

‏{‏إنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر مَنْ أحسن عملاً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ وقوله‏:‏

‏{‏يحلون فيها من أساور من ذهب‏}‏ يُحلَّى كلُّ مؤمنٍ واحدٍ بسوارين من ذهبٍ، وكانت الأساورة من زينة الملوك في الدُّنيا، وقوله‏:‏ ‏{‏ويلبسون ثياباً خضراً من سندسٍ وإستبرق‏}‏ وهما نوعان من الحرير، والسُّندس‏:‏ ما رقَّ، والاستبرق‏:‏ ما غلظ ‏{‏متكئين فيها على الأرائك‏}‏ وهي السُّرر في الحجال ‏{‏نعم الثواب‏}‏ طاب ثوابهم ‏{‏وحسنت‏}‏ الأرائك ‏{‏مرتفقاً‏}‏ موضع ارتفاق، أَيْ‏:‏ اتِّكاءً على المرفق فيه‏.‏

‏{‏واضرب لهم مثلاً رجلين‏}‏ يعني‏:‏ ابني ملكٍ كان في بني إسرائيل تُوفِّي وتركهما، فاتخذ أحدهما القصور والأجنَّة، والآخر كان زاهداً في الدُّنيا، راغباً في الآخرة، فكان إذا عمل أخوه شيئاً من زينة الدُّنيا، أخذ الزَّاهد مثل ذلك، فقدَّمه لآخرته، واتَّخذ به عند الله الأجنة والقصور حتى نفد ماله، فضربهما الله مثلاً للمؤمن والكافر الذي أبطرته النِّعمة، وهو قوله‏:‏ ‏{‏جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل‏}‏ وجعلنا النَّخل مُطبقاً بهما ‏{‏وجعلنا بينهما‏}‏ بين الجنتين ‏{‏زرعاً‏}‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏33- 44‏]‏

‏{‏كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا ‏(‏33‏)‏ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ‏(‏34‏)‏ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا ‏(‏35‏)‏ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ‏(‏36‏)‏ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ‏(‏37‏)‏ لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا ‏(‏38‏)‏ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا ‏(‏39‏)‏ فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا ‏(‏40‏)‏ أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ‏(‏41‏)‏ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا ‏(‏42‏)‏ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا ‏(‏43‏)‏ هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا ‏(‏44‏)‏‏}‏

‏{‏كلتا الجنتين آتت أكلها‏}‏ أدَّت ريعها تامَّاً ‏{‏ولم تظلم منه شيئاً‏}‏ لم تنقص‏.‏ ‏{‏وفجرنا خلالهما‏}‏ أخرجنا وسط الجنتين ‏{‏نهراً‏}‏‏.‏

‏{‏وكان له ثمر‏}‏ وكان للأخ الكافر أموال كثيرة ‏{‏فقال لصاحبه‏}‏ لأخيه ‏{‏وهو يحاوره‏}‏ يراجعه في الكلام ويُجاذبه، وذلك أنَّه سأله عن ماله فيما أنفقه‏؟‏ فقال‏:‏ قدَّمته بين يدي لأقدم عليه، فقال‏:‏ ‏{‏أنا أكثر منك مالاً وأعزُّ نفراً‏}‏ رهطاً وعشيرةً‏.‏

‏{‏ودخل جنته‏}‏ وذلك أنَّه أخذ بيد أخيه المسلم فأدخله جنَّته يطوف به فيها، وقوله‏:‏ ‏{‏وهم ظالم لنفسه‏}‏ أَيْ‏:‏ بالكفر بالله تعالى ‏{‏قال‏:‏ ما أظنُّ أن تبيد‏}‏ تهلك ‏{‏هذه أبداً‏}‏ أنكر أنَّ الله سبحانه يفني الدُّنيا، وأنَّ القيامة تقوم فقال‏:‏ ‏{‏وما أظن الساعة قائمة، ولئن رددت إلى ربي‏}‏ يريد‏:‏ إن كان البعث حقَّاً ‏{‏لأجدنَّ خيراً منها منقلباً‏}‏ كما أعطاني هذا في الدُّنيا سيعطيني في الآخرة أفضل منه، فقال له أخوه المسلم‏:‏

‏{‏أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة‏}‏ في رحم أُمِّك ‏{‏ثم سوَّاك رجلاً‏}‏ جعلك معتدل الخلق والقامة‏.‏

‏{‏لكنا‏}‏ لكن أنا ‏{‏هو الله ربي‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏

‏{‏ولولا‏}‏ وهلاَّ ‏{‏إذْ دخلت جنتك قلت ما شاء الله‏}‏ أي‏:‏ الأمر ما شاء الله، أَيْ‏:‏ بمشيئة الله تعالى‏:‏ ‏{‏لا قوة إلاَّ بالله‏}‏ لا يقوى أحدٌ على ما في يديه من ملكٍ ونعمةٍ إلاَّ بالله، هذا توبيخٌ من المسلم للكافر على مقالته، وتعليمٌ له ما يجب أن يقول، ثم رجع إلى نفسه فقال‏:‏

‏{‏إن ترن أنا أقلَّ منك مالاً وولداً فعسى ربي أن يؤتين‏}‏ في الآخرة، أو في الدُّنيا ‏{‏خيراً من جنتك أو يرسل عليها‏}‏ على جنَّتك ‏{‏حسباناً من السماء‏}‏ عذاباً يرميها به من بَرَدٍ أو صاعقةٍ ‏{‏فتصبح صعيداً زلقاً‏}‏ أرضاً لا نبات فيها‏.‏

‏{‏أو يصبح ماؤها‏}‏ يعني‏:‏ النَّهر خلالها ‏{‏غوراً‏}‏ غائراً ذاهباً في الأرض ‏{‏فلن تستطيع‏}‏ لا تقوى ‏{‏له طلباً‏}‏ لا يبقى له أثرٌ تطلبه‏.‏

‏{‏وأحيط بثمره‏}‏ وأُهلكت أشجار المثمرة ‏{‏فأصبح يقلب كفيه‏}‏ يضرب يديه واحدةً على الأخرى ندامةً ‏{‏على ما أنفق فيها وهي خاوية‏}‏ ساقطةٌ ‏{‏على عروشها‏}‏ سقوفها وما عرش للكروم ‏{‏ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحداً‏}‏ تمنَّى أنَّه كان مُوحِّداً غير مشركٍ حين لم ينفعه التَّمني‏.‏

‏{‏ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله‏}‏ لم ينصره النَّفر الذين افتخر بهم حين قال‏:‏ ‏{‏وأعزُّ نفراً‏}‏‏.‏ ‏{‏وما كان منتصراً‏}‏ بأن يستردَّ بدل ما ذهب منه، ثمَّ عاد الكلام إلى ما قبل القصة فقال‏:‏

‏{‏هنالك‏}‏ عند ذلك، يعني‏:‏ يوم القيامة ‏{‏الولاية لله الحق‏}‏ يتولَّون الله ويؤمنون به، ويتبرَّؤون ممَّا كانوا يعبدون ‏{‏هو خير ثواباً‏}‏ أفضل ثواباً ممَّن يُرجى ثوابه ‏{‏وخير عقباً‏}‏ أَيْ‏:‏ عاقبةُ طاعته خيرٌ من عاقبة طاعة غيره‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏45- 48‏]‏

‏{‏وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ‏(‏45‏)‏ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ‏(‏46‏)‏ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ‏(‏47‏)‏ وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا ‏(‏48‏)‏‏}‏

‏{‏واضرب لهم‏}‏ لقومك ‏{‏مثل الحياة الدنيا كماء‏}‏ أَيْ‏:‏ هو كماءٍ ‏{‏أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض‏}‏ أَيْ‏:‏ شرب منه فبدا فيه الرِّيّ ‏{‏فأصبح‏}‏ أي‏:‏ النَّبات ‏{‏هشيماً‏}‏ كسيراً مُتفتِّتاً ‏{‏تذروه الرياح‏}‏ تحمله وتفرِّقه، وهذه الآية مختصرةٌ من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنما مثل الحياة الدنيا‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ ‏{‏وكان الله على كلِّ شيء‏}‏ من الإنشاء والإِفناء ‏{‏مقتدراً‏}‏ قادراً، أنشأ النَّبات ولم يكن، ثمَّ أفناه‏.‏

‏{‏المال والبنون زينة الحياة الدنيا‏}‏ هذا ردٌّ على الرُّؤساء الذين كانوا يفتخرون بالمال والأبناء، أخبر الله سبحانه أنَّ ذلك ممَّا يُتزيَّن به في الحياة الدُّنيا، ولا ينفع في الآخرة ‏{‏والباقيات الصالحات‏}‏ ما يأتي به سلمان وصهيب وفقراء المسلمين من الصَّلوات والأذكار والأعمال الصَّالحة ‏{‏خير عند ربك ثواباً‏}‏ أفضل ثواباً، وأفضل أملاً من المال والبنين‏.‏

‏{‏ويوم‏}‏ واذكر يوم ‏{‏نسيّر الجبال‏}‏ عن وجه الأرض كما نُسيِّر السَّحاب ‏{‏وترى الأرض بارزة‏}‏ ظاهرةً ليس عليها شيءٌ ‏{‏وحشرناهم‏}‏ المؤمنين والكافرين ‏{‏فلم نغادر‏}‏ نترك ‏{‏منهم أحداً‏}‏‏.‏

‏{‏وعرضوا على ربك‏}‏ يعني‏:‏ المحشورين ‏{‏صفاً‏}‏ مصفوفين، كلُّ زمرةٍ وأمَّةٍ صفٌّ، ويقال لهم‏:‏ ‏{‏لقد جئتمونا كما خلقناكم أوَّل مرة‏}‏ حُفاةً عُراةً فرادى ‏{‏بل زعمتم‏}‏ خطابٌ لمنكري البعث ‏{‏أن لن نجعل لكم موعداً‏}‏ للبعث والجزاء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏49- 51‏]‏

‏{‏وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ‏(‏49‏)‏ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ‏(‏50‏)‏ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ‏(‏51‏)‏‏}‏

‏{‏ووضع الكتاب‏}‏ وُضع كتاب كلِّ امرئ في يمينه أو شماله ‏{‏فترى المجرمين‏}‏ المشركين ‏{‏مشفقين ممَّا فيه‏}‏ خائفين ممَّا فيه من الأعمال السيئة ‏{‏ويقولون‏}‏ لوقوعهم في الهلكة‏:‏ ‏{‏يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر‏}‏ لا يترك ‏{‏صغيرة‏}‏ من أعمالنا ‏{‏ولا كبيرة إلاَّ أحصاها‏}‏ أثبتها وكتبها ‏{‏ووجدوا ما عملوا حاضراً‏}‏ في الكتاب مكتوباً ‏{‏ولا يظلم ربك أحداً‏}‏ لا يعاقب أحداً بغير جرمٍ، ثمَّ أمر نبيَّه عليه السَّلام أن يذكر لهؤلاء المُتكبِّرين عن مجالسة الفقراء قصَّة إبليس، وما أورثه الكبر، فقال‏:‏

‏{‏وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلاَّ إبليس كان من الجن‏}‏ أَيْ‏:‏ من قبيلٍ من الملائكة يُقال لهم‏:‏ الجنُّ ‏{‏ففسق‏}‏ خرج ‏{‏عن أمر ربه‏}‏ إلى معصيته في ترك السُّجود ‏{‏أفتتخذونه وذريته‏}‏ أولاده، وهم الشَّياطين ‏{‏أولياء من دوني‏}‏ تطيعونهم في معصيتي ‏{‏وهم لكم عدوٌّ‏}‏ كما كان لأبيكم عدواً ‏{‏بئس للظالمين بدلاً‏}‏ بئس ما استبدلوا بعبادة الرَّحمن طاعة الشَّيطان‏.‏

‏{‏ما أشهدتهم‏}‏ ما أحضرتهم، يعني‏:‏ إبليس وذريَّته ‏{‏خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم‏}‏ أخبر عن كمال قدرته، واستغنائه عن الأنصار والأعوان فيما خلق ‏{‏وما كنت متخذ المضلين عضداً‏}‏ أنصاراً وأعواناً لاستغنائي بقدرتي عن الأنصار‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏52- 56‏]‏

‏{‏وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا ‏(‏52‏)‏ وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا ‏(‏53‏)‏ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ‏(‏54‏)‏ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا ‏(‏55‏)‏ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا ‏(‏56‏)‏‏}‏

‏{‏ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ يقول الله تعالى يوم القيامة‏:‏ ادعوا الذين أشركتم بي ليمنعوكم من عذابي ‏{‏فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم‏}‏ بين المشركين وأهل لا إله إلاَّ الله ‏{‏موبقاً‏}‏ حاجزاً‏.‏

‏{‏ورأى المجرمون‏}‏ المشركون ‏{‏النار فظنوا‏}‏ أيقنوا ‏{‏أنهم مواقعوها‏}‏ واردوها وداخلوها ‏{‏ولم يجدوا عنها مصرفاً‏}‏ مهرباً لإحاطتها بهم من كلِّ جانبٍ‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏وكان الإِنسان‏}‏ الكافر ‏{‏أكثر شيء جدلاً‏}‏ قيل‏:‏ هو أُبيُّ بن خلف، وقيل‏:‏ النَّضر بن الحارث‏.‏

‏{‏وما منع الناس‏}‏ أهل مكَّة ‏{‏أن يؤمنوا‏}‏ الإِيمان ‏{‏إذ جاءهم الهدى‏}‏ يعني‏:‏ محمداً صلى الله عليه وسلم والقرآن ‏{‏إلاَّ أن تأتيهم سنة الأولين‏}‏ العذاب‏.‏ يعني‏:‏ إنَّ الله تعالى قدَّر عليهم العذاب، فذلك الذي منعهم من الإِيمان ‏{‏أو يأتيهم العذاب قبلاً‏}‏ عياناً‏.‏ يعني‏:‏ القتل يوم بدرٍ، وقوله‏:‏

‏{‏ويجادل الذين كفروا بالباطل‏}‏ يريد المُستهزئين والمقتسمين جادلوا في القرآن ‏{‏ليدحضوا‏}‏ ليبطلوا ‏{‏به‏}‏ بجدالهم ‏{‏الحق‏}‏ القرآن ‏{‏واتخذوا آياتي‏}‏ القرآن ‏{‏وما أنذروا‏}‏ به من النَّار ‏{‏هزواً‏}‏‏.‏